
إذا كنت من محبي الأزياء والموضة فلا بد أنك سمعت يوماً ما عن “كوكو شانيل” Coco Chanel، أو ربما قرأت عنها في صحيفة ما، أو شاهدت إعلاناً لأحدث منتجات علامتها التجارية، وستتفاجأ حينما تعلم أن صاحبة هذه العلامة التجارية عانت من حياة صعبة جداً حافلة بالقلق والاكتئاب، ولم تنجح في تجاوز كل هذا إلا بعد كفاح مرير إستمر لسنوات طويلة.
“كوكو شانيل” هي مصممة أزياء فرنسية، رائدة في عالم الموضة، حيث أدخلت “البساطة الراقية” إلى عالم الأزياء، وتُعد من أهم شخصيات القرن العشرين.
أثرها كان كبير جداً وكانت من بين الأشخاص المتواجدين في لائحة أهم 100 شخصية عالمياً والأكثر تأثيراً في القرن العشرين، والتي أُصدرت من قبل مجلة تايم الشهيرة، وحاليا تعد علامة شانيل هي من أهم علامات الأزياء عالمياً.
تَشتهر “كوكو شانيل” بتصاميمها الخالدة، وبحبها للفساتين السوداء، فقد عاشت “شانيل” في دار للأيتام وتعلمت الخياطة، وعملت كمغنية لمدة قصيرة وذلك قبل إفتتاح أول متجر لها لبيع الملابس عام 1910م.
فكانت وما زالت “كوكو شانيل” تُحقق أعلى الأرباح والإيرادات بعد خمسين عاماً من رحيل مؤسستها، بأرباح تزيد عن المليار يورو سنوياً، وآلاف الموظفين حول العالم.
فكيف إستطاعت “شانيل” تجاوز كل هذه التحديات وتحقيق ثروة بملايين الدولارات؟
ميلاد وطفولة كوكو شانيل

وُلدت “غابرييل بونيور شانيل” وهو الاسم الحقيقي لسيدة الموضة، في 19 آب عام 1883م، في فرنسا ببلدة “سومور”، لأم غير متزوجة Eugénie Jeanne Devolle، تعمل بخدمات الغسيل بداخل مستشفى فرنسية خيرية تديرها الراهبات Providence، وكان أبوها “Albert Chanel” تاجر متنقل.
في عام 1884، تزوج والداها، وكان للزوجان خمسة أطفال ثلاثة بنات وصبيين عاشوا بغرفة واحدة مزدحمة في بلدة Brive-la-Gaillarde .
توفيت والدتها بمرض “السل”، وتركتها وحيدة تتعلثم في كلامها وهي في عمر الثانية عشر، أرسل والدها إبنيه للعمل في المزارع وأرسل بناته الثلاثة إلى مدينة كوريز Corrèze، في وسط فرنسا، إلى دار للأيتام “أوبازيتي” والذي كان يتضمن أجلاً دينياً “جماعة قلب مريم المقدسة” الذي قد أُسس لرعاية الفقراء بما في ذلك تشغيل المنازل للفتيات المتخلى عنهم واليتامى.
وعلى الرغم من مأساة حياتها في تلك الفترة، إلا أن وضعها في دار الأيتام كان أفضل شيء حدث لمستقبل “كوكو”؛ لأنها تعلمت الخياطة في تلك الفترة.
تركت “شانيل” دار الأيتام عندما بلغت الثامنة عشرة وإنتقلت للعيش في دار داخلية مخصصة للفتيات الكاثوليك في بلدة Moulins.
وقد تعلمت “شانيل” الحياكة (الخياطة)، وساعدها ذلك في إيجاد فرصة عمل مناسبة بعد أن أتقنت فن الخياطة خلال ست سنوات لها في Aubazine، وإلى جانب ذلك كانت تُغني في ملهى ليلي يتردد عليه كبار ضباط الجيش الفرنسيين.
وكانت تكسب بعض المال من جلوسها مع عدد من هؤلاء، وفي ذلك الوقت ذاع لقبها: “كوكو شانيل”.
حيث حصلت في هذا الوقت على اسم “Coco” بسبب أغنيتين شعبيتين اشتهرت بغنائهما، وهما Ko Ko Ri Ko و Qui qu’a vu Coco
ورغم غناءها إلا أن صوتها كان ضعيفاً وفشلت في العثور على عمل مستمر بأي مسرح، وقد أحبت ضابط سابق بالجيش الفرنسي، وعانت معه من حياة متقلبة ما بين حب وكراهية وخيانة، ثم إرتبطت بضابط آخر كان يشتري لها الكثير من الملابس والعطور، حتى أحبت الموضة وكل ما يتعلق بها، وقد دخلت في نوبة إكتئاب عندما مات هذا الضابط في حادث سيارة.
وعندما انتقلت “شانيل” إلى سويسرا كتبت أن موت هذا الضابط كان خسارة فادحة لها، لأنها أحبته وإرتبطت به للغاية، كان موته زلزالًا هز ثقتها بنفسها، إلا أنه كان أول من لفت انتباهها لعالم الموضة والأزياء.
إطلع علي: حقنة ريجوران تحوّل صيدلانية كورية إلى مليارديرة في عالم مستحضرات التجميل
قبعات Coco Chanel

بدأت “شانيل” تُصمم القبعات عندما بلغت الخامسة والعشرين من عمرها، وإفتتحت متجراً لبيع هذه القبعات تحت إسم “شانيل مود”، وكانت صناعة القبعات وسيلة شانيل للهروب من الذكريات السيئة، وإفتتحت شانيل أول متجر لها في شارع Cambon في باريس عام 1910، وبدأت ببيع القبعات.
إزدهر مجال “شانيل” المهني في تصنيع القبعات النسائية في عام 1912، بعد أن إرتدت ممثلة المسارح “غابرييل دورزيات” في أحد مسرحيات ٫فيرناند نوزييغ” وهي مسرحية “Bel Ami”، حيث عرضت دورزيات بعد ذلك قبعات شانيل، ومن ثم تم نشرها في مجلة تسمى”Les Modes”.
وأضافت في وقت لاحق الملابس، وجاء نجاحها الأول في الملابس من فستان صممته من قميص شتوي قديم.
ورداً على العديد من الناس الذين سألوها عن المكان الذي حصلت فيه على ذلك الفستان، قالت لقد بنيت ثروتي من هذا القميص القديم الذي كنت أرتديه لأن الطقس كان بارداً في Deauville.
وكانت “شانيل” تصنع هذه الملابس من أقمشة متواضعة مثل الجيرسيه والتريكو، لكنها نجحت في تحقيق مبيعات مرتفعة بسبب تميز موقع هذا المتجر، إلى جانب التصميم المميز والفريد لهذه الملابس.
ثم تطورت أعمال شانيل حتى أصبحت تبيع طرازات متنوعة من القبعات والسترات والقمصان والمعاطف، وكان يدعمها في ذلك بعض أفراد أسرتها، مثل أختها “انطوانيت” وعمتها “أدرين”، إذ كانت أختها وعمتها تتجولان حاملتان منتجات شانيل للترويج لها بين الناس.
بعض إنجازات كوكو شانيل

أصبحت متاجر “كوكو شانيل” للأزياء والعطور الفاخرة منتشرة الآن، ففي عام 1915 إفتتحت شانيل متجراً لبيع الأزياء الفاخرة، في إقليم “الباسك” الفرنسي، وقد حققت مبيعات هائلة بعد إقبال الناس على المنتجات التي باتت تعرف بكوكو شانيل، والتي تميزت بجمال التصميم، وفي عام 1918 إفتتحت شانيل متجراً أكبر للأزياء في باريس، وكانت تعرض فيه أجمل الملابس والقبعات، إلى جانب مجموعة رائعة من المجوهرات والمقتنيات الفاخرة.
في العشرينيات، أطلقت أول “عطر” لها وقدمت للعالم الطقم الأسود والفساتين السوداء القصيرة، مع التركيز على جعل ملابس النساء أكثر راحة.
عرضت “شانيل” حقيبة يد مستوحاة من حقائب الجنود، والتي كانت أول تصميم حقيبة لها.
وفي عام 1925، عرضت شانيل تصميمها الأسطوري لطقم مكون من سترة بلا طوق مع تنورة من نفس قماش السترة.
كانت تصاميمها ثورية حيث كانت تستعير تصاميم للرجال وتعدلها بحيث تكون مريحة للارتداء من قبل النساء.
كذلك لعبت “شانيل” بالألوان، إذ إعتادت نساء هذا العصر،ط إعتماد الدرجات الفاتحة في الألوان للتعبير عن الأنثوية، لكنها إختارت الأسود والدرجات الداكنة لتمنحهن الفخامة، بتايورات أنثوية فخمة، مع قطع إكسسوارات اللؤلؤ الجذابة.
وصفت “شانيل” نفسها في تلك الحقبة قائلةً : “لقد عملت بشكل يشبه المعجزات في الموضة وفقاً لقواعد تنتمي لعالم الرسامين والموسيقيين والشعراء”.
أدى هذا الدافع الهائل والموهبة الفائقة لدى “شانيل” إلى إبتكار أربعة تصاميم كلاسيكية خالدة، مثلت تطورات بني عليها مستقبل الدار حتى وقتنا الحالي: الأول تمثل في “الفستان الأسود الصغير” متعدد الإستخدامات، والثاني هو “سترة الكارديغان”، والثالث هو كوكو شانيل “عطر رقم 5″، فيما الرابع يتمثل بالتصميم الكلاسيكي لـ “بدلة شانيل” التي تحولت إلى جزء راسخ في إرث الدار.
وفي عام 1927 كانت “شانيل” تمتلك نحو 5 متاجر تحقق إيرادات كبيرة، ساعدها ذلك في إنتشار شعبيتها وشهرتها بين آلاف الناس بأكثر من دولة، ثم تعرفت “شانيل” على الملحن الروسي الشهير “إيغور سترافنسكي”، وصممت له أزياء رقص فرقة باليه روسي، ولم تكتف بذلك، بل وقامت بإنتاج بعض عروض فرقة البالية، فأكسبها ذلك شهرة إضافية.
عطر كوكو شانيل Chanel No. 5

في 1920، إتخذت “شانيل” أعمالها مجالات جديدة، وقد ساعدتها علاقاتها الواسعة لتتعرف على مجموعة من المهتمين بتجارة العطور، حيث أطلقت أول عطر لها وهو “Chanel No. 5”.
وكان العطر مدعوماً من قبل صاحب متجر Théophile Bader، ورجال الأعمال Pierre & Paul Wertheimer، فعقدت شانيل مع هؤلاء إتفاقاً لتأسيس كيان تجاري للعطور تحت اسم “عطور شانيل”، وتضمن الإتفاق أعمال تسويق هذا الكيان والترويج لمنتجاته، للتغلب على تحديات المنافسة القوية بهذا المجال الذي يلقى رواجاً لدى قطاعات واسعة وخاصةً من النساء في العالم.
طورت “شانيل” صداقة وثيقة مع “Pierre”، وتم الإتفاق في نهاية المطاف على حصول شركة Wertheimer على 70٪ من أرباح Chanel No. 5 لإنتاج العطور في مصانعها، بينما تتلقى شركة Bader نسبة 20٪ وشانيل نفسها تحصل على 10٪ فقط.
على مر السنين، مع تحقيق Chanel No. 5 مبيعات هائلة، رفعت “كوكو” دعاوى قضائية ضد الشركتين مراراً وتكراراً لإعادة التفاوض على شروط الصفقة.
إطلاق مجوهرات شانيل

آمنت “كوكو شانيل” Coco Chanel، طيلة فترة ريادتها للدار، بأن البساطة هي المفتاح الرئيس للأناقة الحقيقية.
ففي عام 1924، برهنت على ذلك بدخولها عالم الجواهر بتصميمات بسيطة، لكنها لاقت قبولاً وشهرة على نطاق واسع، وكانت البداية بزوج من الأقراط المصنوعة من اللؤلؤ، أحدهما أسود والآخر أبيض. وقد عُرف عن المؤسسة الأولى للدار شغفها باللؤلؤ الذي كانت تحرص على أن تزيّن جيدها بصفوف منه.
حيث تبِعَ الأزياء والعطور، مجموعة المجوهرات الراقية عام 1932، من خلال مجموعتها التي إحتلت إسم Bijoux de Diamants، والتي أحدثت ضجة أيضاً بعالم المجوهرات، فكيف لامرأة أن تستطيع أن تلبي كل تلك الأفكار التي تحلم بها النساء، وتقدّم لهن باقة متنوعة وشاملة بعالم يتسم بالفخامة.
إطلع علي: “ميلتون هيرشي” قصة نجاح صاحب أكبر إمبراطورية شوكولاتة في العالم
الحرب العالمية تغلق متاجر كوكو شانيل

كان للركود الاقتصادي الدولي في الثلاثينات من القرن الماضي تأثير سلبي على شركتها، ثم ومع إندلاع الحرب العالمية الثانية أدى إلى إغلاق أعمالها.
ومع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 كانت “شانيل” على موعد مع إغلاق متاجرها والحد من أنشطتها التجارية، إذ كانت “شانيل” تؤمن أن هذا الوقت لا يُلائِم الموضة، وقد شهدت هذه الفترة إضطرابات واسعة، وخلال وقت قصير دخلت “عطور شانيل” ضحية للخلافات السياسية.
وفي 17 مايو 1947، حصلت “شانيل” على تعويض عن الأضرار التي لحقتها، بمبلغ يعادل نحو تسعة ملايين دولار في بداية القرن الحادي والعشرين، وقد تم تقدير أرباحها السنوية بحوالي 25 مليون دولار، وبذلك أصبحت شانيل من أغنى النساء في العالم في ذلك الوقت.
أشهر أقوال كوكو شانيل
كانت “شانيل” لها العديد من الأقوال والحكم التي تؤمن بها وتسير على نهجها ومنها :
- أكثر أعمالك شجاعة هي التي تكون لصالح نفسك حققها، واصرخ بصوت عال.
- عندما أدركت أن عملي كان له حياة، هي حياتي، ووجهاً، هو وجهي، وصوتً، هو صوتي، وعندما أدركت أن عملي يحبني كرست له نفسي تمامًا، لقد كان لا حب أكبر منه.
إقرأ أيضاً: إليك مسيرة النجاح الملهمة لـ “كولونيل ساندرز” مؤسس دجاج كنتاكي
وفاة كوكو شانيل واستمرار علاماتها التجارية في تحقيق الأرباح

ودّعت الأسطورة “كوكو شانيل” هذا العالم يوم الأحد 10 يناير/كانون الأول عام 1971، عن عُمر يُناهز 88 عاماً، في شقتها في فندق “الريتز”، حيث أقامت هناك لما يزيدعن 30 عامًا.
وذلك إثر نوبة قلبية تعّرضت لها، بعدما وضعت اللمسات الأخيرة على مجموعتها من الأزياء التي كانت من المفترض أن تعرض في 26 يناير 1971.
وأصبح منزلها الذي يقع في “31 في شارع كومبون”، من الأماكن التاريخية، حيث يَحكي الكثير عن تفاصيل حياتها الفخمة، ويمتلئ بقطع الديكور واللوحات العالمية لأشهر الفنانين من أصدقائها، إضافة إلى الأنتيكات الفخمة، أبرزها تلك القطع على شكل الأسد الذي يرمز لبرجها.
وبعد أكثر من عقد على وفاتها، تولى المصمم Karl Lagerfeld شركتها لمواصلة إرث شانيل.
واليوم شركة “شانيل” تحمل الاسم نفسه ولا تزال تزدهر، وتحقق مئات الملايين من المبيعات كل سنة.
وقد أقاموا جنازتها في كنيسة “مادلين”، وكانت جنازة مهيبة حضرت فيها أشهر عارضات الأزياء، وقد غطوا تابوتها بالورود البيضاء، وحضر جنازتها القادة والسياسين ومشاهير الصحفيين والكُتّاب ورجال الإعلام.
وعلى الرغم من أن “شانيل” كانت شخصية شهيرة في عالم الموضة والأزياء والمقتنيات الفاخرة ودخلت في معارك سياسية وصراعات شخصيةإلا أنها ظلت ملهمة لقصص النجاح في الحياة والتغلب على مرارات الوحدة والاكتئاب، وكان القاسم المشترك بينها وبين الكثيرات من رائدات الأعمال هو القدرة على مواجهة الصعاب والمثابرة لتحقيق الإنجازات مهما كلف الأمر.
وما زالت العلامات التجارية لـ “كوكو شانيل” تُحقق أعلى الأرباح والإيرادات في عالمنا اليوم، إذ تزيد أرباحها السنوية عن المليار يورو، ويعمل الآن بكافة علاماتها التجارية آلاف الموظفين والموظفات، في متاجر شهيرة ما زالت ترتبط بالموضة والأزياء وصناعة الملابس الفاخرة حتى الآن.






