
تتجه الولايات المتحدة مجدداً نحو واحدة من أكثر الأزمات السياسية والاقتصادية تعقيداً في تاريخها الحديث، بعد فشل مجلس الشيوخ في التوصل إلى اتفاق يوقف اغلاق الحكومة الامريكية المستمر منذ أيام.
فشل التصويت الأخير الذي رفض فيه الديمقراطيون مشروع قانون للإنفاق قدمه الجمهوريون يعكس عمق الانقسام الحزبي في واشنطن، ويؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف حول أرقام الميزانية، بل باتت معركة أيديولوجية حول مستقبل الدور الحكومي في الاقتصاد والمجتمع.
يصر الجمهوريون على تمرير قانون مؤقت لا يتضمن زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية، بينما يتمسك الديمقراطيون بحماية برامج مثل “أوباما كير” و”ميديكيد” التي تشكل شريان حياة لملايين الأمريكيين.
وبين هذا وذاك، يدفع الاقتصاد الأمريكي ثمن التعطيل في شكل توقف آلاف الموظفين الفيدراليين عن العمل، وتأخير صرف الرواتب، وتعليق عشرات الخدمات الحيوية في مؤسسات الدولة.
ما يثير القلق أن أعضاء مجلس الشيوخ غادروا واشنطن لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، ما يعكس مستوى غير مسبوق من اللامبالاة في لحظة تحتاج إلى قرارات سريعة وحاسمة.
رئيس مجلس النواب مايك جونسون لمح إلى أن النواب ربما لا يعودون الأسبوع المقبل إذا استمر الجمود، ما يزيد من احتمالية استمرار الإغلاق لأسبوع أو أكثر، في أول إغلاق منذ سبع سنوات.
تأثيرات اغلاق الحكومة الامريكية
على الرغم من محاولات التهدئة، لا يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يتمتع بنفوذ واسع داخل الحزب الجمهوري يعتزم التراجع.
تهديداته العلنية بفصل آلاف الموظفين الفيدراليين وإعادة هيكلة الوكالات الحكومية أعادت إشعال الجدل، ودفعت الديمقراطيين إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً.
يصف زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز سلوك ترامب بأنه “انتقامي ومدمر”، ويؤكد أن اغلاق الحكومة الامريكية الحالي هو انعكاس مباشر لسياسات قائمة على التصعيد لا التفاوض.
كان الرئيس ترامب قد أبدى خلال اجتماع في البيت الأبيض استعداداً لإصلاح نظام الرعاية الصحية، لكنه سرعان ما انقلب على مواقفه بنشره مقطع فيديو ساخر بتقنية الذكاء الاصطناعي يستهدف خصومه الديمقراطيين.
هذا التناقض زاد من حالة فقدان الثقة داخل الكونغرس، وأغلق الباب أمام أي تسوية سياسية قريبة.
من جانبه، يرى الجمهوريون أن استمرار الاغلاق سيضغط على الديمقراطيين في النهاية، بينما يراهن الديمقراطيون على غضب الرأي العام ضد سياسة “إدارة بالأزمات” التي يتبناها ترامب.
في ظل هذا الاستقطاب، أصبح الاغلاق أداة سياسية أكثر منه مشكلة مالية، يستخدمها كل طرف لاختبار قوة الآخر أمام الناخبين مع اقتراب الانتخابات النصفية عام 2026.
إطلع علي: ماذا يعني اغلاق الحكومة الامريكية لموظفيها واقتصادها؟
تأثير اغلاق الحكومة الامريكية على الاقتصاد والأسواق والوظائف
تتجاوز آثار إغلاق الحكومة الأمريكية الجوانب السياسية لتطال قلب الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
فكل يوم تستمر فيه الأزمة يعني خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تعطّل المؤسسات الفيدرالية، وتأخير صرف الرواتب، وتجميد العقود الحكومية.
يقدر خبراء الاقتصاد أن الإغلاق إذا استمر لأسابيع قد يخفض معدل النمو الأمريكي ربع نقطة مئوية على الأقل في الربع الأخير من العام، مع احتمال تأجيل استثمارات كبرى في البنية التحتية والطاقة النظيفة.
وفي الوقت نفسه، تتزايد مخاوف الأسواق من فقدان الثقة في قدرة واشنطن على إدارة شؤونها المالية.
وكالة “ستاندرد آند بورز” حذرت من أن استمرار الإغلاق قد يؤدي إلى خفض تصنيف الولايات المتحدة الائتماني مرة أخرى، خاصة مع تصاعد الخلاف حول سقف الدين.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن تهديد فصل عشرات الآلاف من الموظفين الفيدراليين يثير قلقاً واسعاً، خصوصاً في الولايات التي تعتمد بشكل كبير على الوظائف الحكومية مثل فيرجينيا وواشنطن العاصمة.
وفي الوقت ذاته، يشير الديمقراطيون إلى أن تجميد مشاريع البنية التحتية والطاقة الخضراء في ولايات مثل نيويورك وشيكاغو سيؤدي إلى تسريح آلاف العمال، ما يرفع معدلات البطالة ويقوّض النمو في قطاعات حيوية.
إقرأ المزيد: قوة الدولار تعكس صلابة الاقتصاد الأميركي وتحديات أمام البنوك المركزية العالمية
وسط هذا المشهد المضطرب، يدعو بعض المراقبين إلى ضرورة إعادة النظر في آلية إعداد الموازنة الأمريكية نفسها، التي أصبحت رهينة للمساومات السياسية، معتبرين أن البلاد بحاجة إلى إصلاح مؤسسي يعيد التوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية ويمنع تكرار سيناريوهات الإغلاق المتكررة التي تهدد ثقة العالم في الاقتصاد الأمريكي.
يبدو أن أزمة اغلاق الحكومة الامريكية الراهنة ليست مجرد فصل جديد من الخلافات الحزبية في واشنطن، بل مؤشر على أزمة ثقة أعمق تهدد استقرار النظام السياسي نفسه.
فمع استمرار الانقسام بين الحزبين وغياب الرؤية المشتركة، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مرحلة طويلة من الاضطرابات المالية والسياسية، يكون المواطن الأمريكي العادي أول ضحاياها.
الأسواق تراقب، والاقتصاد يتأثر، والمجتمع الأمريكي ينتظر من قادته أن يضعوا مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية وهي معادلة تبدو حتى الآن بعيدة المنال.
إطلع علي: رسوم جمركية من ترامب تغيّر موازين تجارة الأخشاب والأثاث






